السر السيد 

إشـــارة:

ثمة علاقة ما بين المبدع والإبداع، فهناك علاقة مابين الشاعر والقصيدة وما بين التشكيلي واللوحة، ولكن في حالة فنون الأداء ( الرقص والغناء والتمثيل )، مع ما بينها من اختلافات، تبدو هذه العلاقة مختلفة، ففي هذه الفنون يتحد المبدع مع الإبداع بينما في حالة الشعر والتشكيل مثلا ينجز الإبداع استقلالاً نسبياً عن المبدع. ففي التمثيل مثلاً ـ أكثر أشكال فنون الأداء تعقيداً وثورية بحسبانه يحتضن كل الفنون الأخرى وباعتباره الفن الوحيد الذى لا يعترف يالآخر كمجرد متلق فحسب وانما مساهم في الفعل كذلك ـ كان هذا الفن وما زال من أقوى الفنون التي تحرض على التحرر والتفتح الإنساني وعلى زلزلة المسلمات.

تحية زروق والسياق المستحيل

أن تكون ممثلا يعنى.. أنك قد اخترت اقتراحاً آخر لوجودك. يعنى أنك تفتح احتمالات أخرى لهذا الوجود، فالممثل هو الشخص الوحيد الذي يستضيف كل النماذج الإنسانية الممكنة والمستحيلة من رجل الدين إلى المومس والطاغية والمناضل والفقير والغنى والحر والأسير، ويعبر عنها جميعاً. وهو المبدع الوحيد الذي يعيد تشكيل الزمان والمكان لا عبر اللغة كما يحدث في الرواية، وإنما عبر كينونته لحماً ودماً وشعوراً وعاطفة. لذلك، فالممثل الحق هو من يستبطن ويمتلك سر التواصل وسحر الآخرين مثل ما يفعل الكهنة والعرافون؛ وهذا ما يسميه يوجينو باربا بطاقة الممثل وهذا ما تعبر عنه وبه الممثلة تحية زروق، لذلك استطاعت أن تنجز ما أسميناه بالسياق المستحيل في متن الثقافة والتقاليد السودانية بحالة كونها امرأة وكونها مواطنة وكونها ممثلة في نفس الوقت.

السياق المستحيل هو مغامرتها في أن تضيف عبئاً جديداً على وجودها الإشكالي أصلاً: امرأة / مواطنة. هذا العبء هو التمثيل بكل إيحاءاته المفزعة التي أشرنا إلى بعض منها، فهو فن يعبر عن حضوره بالجسد وعندما يكون هذا الجسد خاصاً بامرأة، تصبح هذه المرأة مغامرة وثورية واستثنائية. فتحية زروق التي جاءت بعد أخريات سبقنها في هذه المبادرة الطليعية، تميزت عليهن خاصة في دراما التلفزيون والمسرح بالاستمرار (في الفترة منذ بدايتها حتى هجرتها إلى كندا)، وتميزت كذلك بنوع الأدوار التي مثلتها من حيث العمق والتنوع. أما في الإذاعة وبرغم مساهمتها المقدرة فيها فقد ظلت في سباق مع الممثلة القديرة صاحبة الصوت الساحر والمعبر والتي سبقتها في هذا المجال الممثلة فوزية يوسف.

تكمن ميزة تحية زروق الفتاة المنحدرة من أسرة أمدرمانية مارس بعض أفرادها السياسة والفن (فهي شقيقة القاص والأديب الطيب زروق) في أنها رسَّخت المبادرة الطليعية لسابقاتها وأسهمت بقدر وافر في إضفاء الشرعية على أن تمثل المرأة وفي هذا قدمت الكثير من التضحيات.


تحية زروق … صورة شخصية

نكتب عن تحية زروق الغائبة عن الوطن سنيناً عددا والعائدة لتحتفل مع رفاقها بالدراما السودانية، حلمها المستحيل. نكتب عنها عرفاناً وامتناناً، فبين دمعتها العزيزة التي هطلت وهى تطرق باب الوطن واحتفاء جمهور قاعة الصداقة برؤيتها وفرحته بلقائها(صراخاً وتصفيقاً حاداً) يتبدد ظلم بعض رفاق الدرب، وتذهب أدراج الرياح عبارات الهمز واللمز التي طالعتنا بها إحدى الصحف. نكتب عن تحية زروق تضامناً مع كل مبدعينا الذين شكلوا وجدان هذا الشعب وحموه في الملمات عندما سعت بعض الخطابات، وما زالت، إلى تكريس الدونية والفقر الروحي ونشر ثقافة القبح وتكريسها. نكتب عن تحية لأنها حكت لنا بجسدها وروحها ودافعت عن قيمنا، عن حاضرنا، عن ماضينا، وعن مستقبلنا، وقبل ذلك دافعت عن المرأة السودانية، ففي سفر تحية زروق نجد سالي في مسرحية “نبتة حبيبتي”، تلك الفتاة التي كانت تنطق حكمة وتناضل ضد الكهنوت وتبشر بواقع إنساني جديد. وفي سفرها، نجد سلمى في مسلسل “الحراز والمطر”، تلك الفتاة التي سُرق شرفها، والتي في نفس الوقت تعانى من غياب الأب. سلمى الفتاة الضائعة الهاربة من نفسها، التي تدخن وتسكر، لكنها تحتفظ في داخلها بضمير يقظ ورغبة في الحياة النظيفة. في سفر تحية زروق، نطالع شخصية الدهابية في المسلسل الإذاعى الشهير، حيث نجد الدفاع عن الحب ضد سلطة التقاليد القائمة على الاختلافات العرقية واختلافات الريف عن  المدينة وتميز المركز على الهامش. في سفرها نجد سهير في خطوبة سهير، الفتاة المنتمية للاتحاد النسائي السوداني، المتعلمة التي تعاني من أب مدمن وأم استعراضية مسطحة (صراع القيم الجديدة مع القيم القديمة) وتأسيس ثقافة حرية اختيار الزوج، صراع الجديد مع القديم. في سفرها نطالع المسلسلات التلفزيونية الدلالية/ المال والحب/ بيوت من نار، وشخصية ستنا في مسلسل بيوت من نار، الفتاة التي تضحى بشبابها من أجل تربية وتعليم أخيها الأصغر، ثم تصاب بعقدة نفسية ووسواس من فقدان أخيها. في سفرها نطالع مسرحية الأسد والجوهرة لشوينكا، وشخصية سدى، تلك الشخصية التي تدافع عن التقاليد وتثير أسئلة جادة حول ماهية التقدم. في سفرها نطالع فليم عرس الزين. في سفرها نطالع الكثير والكثير…

إن تحية زروق ثروة قومية فرطنا فيها، وبغيابها تركت فراغاً كبيراً في مساحة الممثلة السودانية. وإن كان لابد من ختام لهذه المقالة الاحتفالية، فإنى أورد هنا ما كتبه د. خالد المبارك عن تحية زروق في مقالته حول مسرحية الأسد والجوهرة المنشورة في كتابه “حرف ونقطة”. يقول الدكتور “أثبتت هذه المسرحية أن الممثل المجيد يستفيد من قبول الأدوار التي تتيح له فرصة الإبداع، وقد وجدت الممثلة تحية زروق الفرصة لتبرز خفة حركتها في الرقصة البديعة وفي التحرك المدروس والتوقيت المناسب للكلام مؤكدة مكانتها الفريدة في حركتنا المسرحية”.

إن سفر تحية زروق الإبداعي في الإذاعة والمسرح والتلفزيون يصعب أن نحيط به في هذه المقالة ذات الطبيعة الخاصة وما ذكرناه على يجئ على سبيل المثال وتحية من القلب لتحية.

السر السيد

 

2 Replies to “تحية زروق، صورة شخصية”

    1. شكرا الفنان الشاعر المهندس معتصم الطاهر نحضر اوراق في المسرح السوداني وسوف تظهر قريبا على موقعنا شكرا جميلا لك يا حبيب

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *